فصل: تفسير الآية رقم (105)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 104‏]‏

‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ‏}‏

قال البخاري‏:‏ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب قال‏:‏ ‏"‏البحيرة‏"‏‏:‏ التي يُمْنَعُ درّها للطواغيت، فلا يَحْلبها أحد من الناس‏.‏ و‏"‏السائبة‏"‏‏:‏ كانوا يسيبونَها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء -قال‏:‏ وقال أبو هريرة‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏رأيت عمْرَو بن عامر الخزاعي يجُرّ قُصْبَه في النار، كان أول من سيب السوائب‏"‏- و‏"‏الوصيلة‏"‏‏:‏ الناقة البكر، تُبَكّر في أول نتاج الإبل، ثم تُثَنّي بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم، إن وصلت إحْدَاهما بالأخرى ليس بينهما ذكَر‏.‏ و‏"‏الحام‏"‏‏:‏ فحل الإبل يَضربُ الضرّابَ المعدود، فإذا قضى ضرابه وَدَعُوه للطواغيت، وأعفوه عن الحَمْل، فلم يُحْمَل عليه شيء، وسَمّوه الحامي‏.‏ وكذا رواه مسلم والنسائي، من حديث إبراهيم بن سعد، به‏.‏

ثم قال البخاري‏:‏ وقال لي أبو اليمان‏:‏ أخبرنا شعيب، عن الزهري قال‏:‏ سمعت سعيدًا يخبر بهذا‏.‏ وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه‏.‏ ورواه ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال الحاكم‏:‏ أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بُخْت، عن الزهري‏.‏ كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزني في ‏"‏الأطراف‏"‏ وسكت ولم ينبه عليه‏.‏ وفيما قاله الحاكم نظر، فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن الزهري نفسه‏.‏ والله أعلم‏.‏

ثم قال البخاري‏:‏ حدثنا محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكِرْماني، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عُرْوَة؛ أن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏رأيت جَهَنَّم يَحْطِمُ بعضها بعضًا، ورأيت عَمْرًا يجر قُصْبه، وهو أول من سيب السوائب‏"‏‏.‏ تفرد به البخاري‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا هَنَّاد، حدثنا يونس بن بُكَير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجَوْن‏:‏ ‏"‏يا أكثم، رأيت عَمْرو بن لُحَيّ بن قَمعَةَ بن خِنْدف يجر قُصْبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك‏"‏‏.‏ فقال أكثم‏:‏ تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غَيّر دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيّب السائبة، وحمى الحامي‏"‏‏.‏ ثم رواه عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه أو مثله‏.‏ ليس هذان الطريقان في الكتب‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عمرو بن مُجَمِّع، حدثنا إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن أول من سَيَّب السوائب، وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار‏"‏‏.‏ تفرد به أحمد من هذا الوجه‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أنبأنا مَعْمَر، عن زيد بن أسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير دين إبراهيم عليه السلام‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ من هو يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏عمرو بن لُحَيّ أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قُصْبه في النار، يُؤذي ريحه أهل النار‏.‏ وإني لأعرف أول من بحر البحائر‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ من هو يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏رجل من بني مُدْلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضّانه بأفواههما ويخبطانه بأخفافهما‏"‏‏.‏

فعمرو هذا هو ابن لحي بن قَمَعَة، أحد رؤساء خزاعة، الذين ولَوا البيت بعد جَرْهم‏.‏ وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام، عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 136‏]‏ إلى آخر الآيات في ذلك‏.‏

فأما البحيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ هي الناقة إذا نتجت خمسة أبْطُن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرًا ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء‏.‏ وإن كان أنثى جدعوا آذانها، فقالوا‏:‏ هذه بحيرة‏.‏ وذكر السُّدِّي وغيره قريبًا من هذا‏.‏

وأما السائبة، فقال مجاهد‏:‏ هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبين ستة أولاد كان على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرًا أو ذكرين، ذبحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ السائبة‏:‏ هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر، سُيّبت فلم تركب، ولم يُجَزّ وبرها، ولم يحلب لبنها إلا الضيف‏.‏

وقال أبو روق‏:‏ السائبة‏:‏ كان الرجل إذا خرج فَقُضيت حاجته، سَيَّب من ماله ناقة أو غيرها، فجعلها للطواغيت‏.‏ فما ولدت من شيء كان لها‏.‏

وقال السُّدِّي‏:‏ كان الرجل منهم إذا قُضيت حاجته أو عُوفي من مرض أو كثر ماله سَيَّب شيئًا من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عُوقب بعقوبة في الدنيا‏.‏

وأما الوصيلة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى السابع، فإن كان ذكرًا أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرًا وأنثى في بطن استحيوهما وقالوا‏:‏ وصلته أخته فحرمته علينا‏.‏ رواه ابن أبي حاتم‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أنبأنا مَعْمَر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب‏:‏ ‏{‏وَلا وَصِيلَةٍ‏}‏ قال‏:‏ فالوصيلة من الإبل، كانت الناقة تبتكر بأنثى، ثم تثنى بأنثى، فسموها الوصيلة، ويقولون‏:‏ وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم‏.‏ وكذا روي عن الإمام مالك بن أنس، رحمه الله‏.‏

وقال محمد بن إسحاق‏:‏ الوصيلة من الغنم‏:‏ إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن، توأمين توأمين في كل بطن، سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى، جعلت للذكور دون الإناث‏.‏ وإن كانت ميتة اشتركوا فيها‏.‏

وأما الحام، فقال العَوْفي، عن ابن عباس قال‏:‏ كان الرجل إذا لقح فحله عشرًا، قيل حام، فاتركوه‏.‏وكذا قال أبو روق، وقتادة‏.‏ وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ وأما الحام فالفحل من الإبل، إذا وُلد لولده قالوا‏:‏ حَمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئًا، ولا يجزون له وبرًا، ولا يمنعونه من حمى رعي، ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه‏.‏

وقال ابن وَهْب‏:‏ سمعت مالكًا يقول‏:‏ أما الحام فمن الإبل كان يضرب في الإبل، فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيّبوه‏.‏

وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية‏.‏ وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم، من طريق أبي إسحاق السَّبِيعي، عن أبي الأحوص الجُشَمي، عن أبيه مالك بن نَضْلَة قال‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في خَلْقان من الثياب، فقال لي‏:‏ ‏"‏هل لك من مال‏؟‏‏"‏ قلت نعم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏من أيّ المال‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ فقلت‏:‏ من كل المال، من الإبل والغنم والخيل والرقيق‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فإذا آتاك الله مالا فلْيُرَ عليك‏"‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏تنتج إبلك وافية آذانها‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏وهل تنتج الإبل إلا كذلك‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ ‏"‏فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها وتقول‏:‏ هذه بحير، وتشق آذان طائفة منها، وتقول‏:‏ هذه حرم‏؟‏‏"‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فلا تفعل، إن كل ما آتاك الله لك حل‏"‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ‏}‏ أما البحيرة‏:‏ فهي التي يجدعون آذانها، فلا تنتفع امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها‏.‏ وأما السائبة‏:‏ فهي التي يسيبون لآلهتهم، ويذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها، وأما الوصيلة‏:‏ فالشاة تلد ستة أبطن، فإذا ولدت السابع جدعت وقطع قرنها، فيقولون‏:‏ قد وصلت، فلا يذبحونها ولا تضرب ولا تمنع مهما وردت على حوض‏.‏ هكذا يذكر تفسير ذلك مدرجًا في الحديث‏.‏ وقد روي من وجه آخر عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عوف بن مالك، من قوله، وهو أشبه‏.‏

وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه، به‏.‏ وليس فيه تفسير هذه والله أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ ما شرع الله هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعًا لهم وقربة يتقربون بها إليه‏.‏ وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال عليهم‏.‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا‏}‏ أي‏:‏ إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه وتَرْك ما حرمه، قالوا‏:‏ يكفينا ما وجدنا عليه الآباءَ والأجداد من الطرائق والمسالك، قال الله تعالى ‏{‏أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا‏}‏ أي‏:‏ لا يفهمون حقًا، ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه‏؟‏ لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم، وأضل سبيلا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏105‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏

يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبرًا لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبًا منه أو بعيدًا‏.‏

قال العَوْفي عن ابن عباس عند تفسر هذه الآية‏:‏ يقول تعالى‏:‏ إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده، إذا عمل بما أمرته به‏.‏

وكذا روى الوالبي عنه‏.‏ وهكذا قال مُقَاتِل بن حَيان‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ‏}‏ نصب على الإغراء ‏{‏لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ فيجازي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر‏.‏

وليس في الآية مسْتَدلٌّ على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكنًا، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله‏:‏ حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زُهَيْر -يعني ابن معاوية- حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قَيْس قال‏:‏ قام أبو بكر، رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، وقال‏:‏ أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏}‏ إلى آخر الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله، عز وجل، أن يَعُمَّهُمْ بعِقَابه‏"‏‏.‏ قال‏:‏ وسمعت أبا بكر يقول‏:‏ يا أيها الناس، إياكم والكَذِب، فإن الكذب مجانب الإيمان‏.‏

وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حِبَّان في صحيحه، وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد، به متصلا مرفوعًا، ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصديق وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولا فيمسند الصديق، رضي الله عنه‏.‏

وقال أبو عيسى الترمذي‏:‏ حدثنا سعيد بن يعقوب الطَالَقَاني، وحدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، حدثنا عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشَّعْباني قال‏:‏ أتيت أبا ثعلبة الخُشَنِي فقلت له‏:‏ كيف تصنع في هذه الآية‏؟‏ فقال‏:‏ أيَّة آية‏؟‏ قلت‏:‏ قوله ‏[‏تعالى‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏}‏ فقال‏:‏ أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبعًا، ودنيا مُؤْثَرة، وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصّة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القَبْضِ على الجَمْرِ، للعامل فيهن مثلُ أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم‏"‏ -قال عبد الله بن المبارك‏:‏ وزاد غير عتبة‏:‏ قيل يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منهم أو منا‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏بل أجر خمسين منكم‏"‏‏.‏

ثم قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن غريب صحيح‏.‏ وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك ورواه ابن ماجه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عتبة بن أبي حكيم‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أنبأنا مَعْمَر، عن الحسن أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏}‏ فقال‏:‏ إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة‏.‏ ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا -أو قال‏:‏ فلا يقبل منكم- فحينئذ ‏{‏عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ‏}‏ ورواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع عن أبي العالية، عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏}‏ الآية، قال‏:‏ كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله‏:‏ ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر‏؟‏ فقال آخر إلى جنبه‏:‏ عليك بنفسك، فإن الله يقول‏:‏ ‏{‏‏[‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا‏]‏ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ فسمعها ابن مسعود فقال‏:‏ مَهْ، لم يجئ تأويل هذه بعد إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار‏.‏ فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة ولم تلْبَسوا شِيعًا، ولم يَذُق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا‏.‏ فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبسْتُم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه، عند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية‏.‏ رواه ابن جرير‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا الحسن بن عَرفة، حدثنا شبابة بن سَوّار، حدثنا الربيع بن صُبَيْح، عن سفيان بن عقال قال‏:‏ قيل لابن عمر‏:‏ لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال‏:‏ ‏{‏عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏}‏‏؟‏ فقال ابن عمر‏:‏ إنها ليست لي ولا لأصحابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ألا فليبلّغ الشاهد الغائب‏"‏‏.‏ فكنا نحن الشهود وأنتم الغُيّب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم‏.‏

وقال أيضًا‏:‏ حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عَوْف، عن سوَّار بن شَبِيب قال‏:‏ كنت عند ابن عمر، إذ أتاه رجل جَليد في العين، شديد اللسان، فقال‏:‏ يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو وكلهم بغيض إليه أن يأتي دَناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك‏.‏ فقال رجل من القوم‏:‏ وأيّ دناءة تريد أكثرَ من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك‏؟‏ فقال الرجل‏:‏ إني لست إياك أسأل، إنما أسأل الشيخ‏.‏ فأعاد على عبد الله الحديث، فقال عبد الله‏:‏ لعلك ترى، لا أبالك، أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم‏!‏ عظْهم وانههم، فإن عصوك فعليك نَفْسك فإن الله، عز وجل يقول‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ‏}‏ الآية‏.‏

وقال أيضًا‏:‏ حدثني أحمد بن المقدام، حدثنا المعتَمِر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا قتادة، عن أبي مازن قال‏:‏ انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ‏}‏ فقال أكْبَرهم لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم‏.‏

وقال‏:‏ حدثنا القاسم، حدثنا الحُسَين، حدثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن جُبَير بن نُفير قال‏:‏ كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأصغرُ القوم، فتذاكروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا‏:‏ أليس الله يقول في كتابه‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏}‏‏؟‏ فأقبلوا عليّ بلسان واحد وقالوا‏:‏ تنزع آية من القرآن ولا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها‏!‏‏!‏ حتى تمنّيت أني لم أكن تكلمتُ، وأقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا‏:‏ إنك غلام حَدَثُ السن، وإنك نزعت بآية ولا تدري ما هي‏؟‏ وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شُحًّا مطاعًا، وهَوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا علي بن سَهْل، حدثنا ضَمْرَة بن ربيعة قال‏:‏ تلا الحسن هذه الآية‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏}‏ فقال الحسن‏:‏ الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله‏.‏

وقال سعيد بن المسيب‏:‏ إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فلا يضرك من ضل إذا اهتديت‏.‏

رواه ابن جرير، وكذا روي من طريق سفيان الثوري، عن أبي العُمَيْس، عن أبي البَخْتَري، عن حذيفة مثله، وكذا قال غير واحد من السلف‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد الدمشقي، حدثنا الوليد، حدثنا ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن كعب في قوله‏:‏ ‏{‏عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ‏}‏ قال‏:‏ إذا هدمت كنيسة دمشق، فجعلت مسجدًا، وظهر لبس العَصْب، فحينئذ تأويل هذه الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106 - 108‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ‏}‏

اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز، قيل‏:‏ إنه منسوخ رواه العَوْفي من ابن عباس‏.‏ وقال حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم‏:‏ إنها منسوخة‏.‏ وقال آخرون -وهم الأكثرون، فيما قاله ابن جرير-‏:‏ بل هو محكم؛ ومن ادعى النسخ فعليه البيان‏.‏

فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ‏}‏ هذا هو الخبر؛ لقوله‏:‏ ‏{‏شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ‏}‏ فقيل تقديره‏:‏ ‏"‏شهادة اثنين‏"‏، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مَقَامه‏.‏ وقيل‏:‏ دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذَوَا عَدْلٍ‏}‏ وصف الاثنين، بأن يكونا عدلين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مِنْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ من المسلمين‏.‏ قاله الجمهور‏.‏ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ‏}‏ قال‏:‏ من المسلمين‏.‏ رواه ابن أبي حاتم، ثم قال‏:‏ رُوي عن عُبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يَعْمُر، والسُّدِّي، وقتادة، ومُقاتل بن حَيَّان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نحو ذلك‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وقال آخرون‏:‏ عني‏:‏ ذلك ‏{‏ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ من حَي الموصي‏.‏ وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏}‏ قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن عَوْن، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير قال‏:‏ قال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏}‏ قال‏:‏ من غير المسلمين، يعني‏:‏ أهل الكتاب‏.‏

ثم قال‏:‏ وروي عن عبيدة، وشُرَيْح، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، ويحيى بن يعمر، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النَّخَعِي، وقتادة، وأبي مِجْلزَ، والسُّديِّ، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نحو ذلك‏.‏

وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله‏:‏ ‏{‏مِنْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ المراد من قبيلة الموصي، يكون المراد هاهنا‏:‏ ‏{‏أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ من غير قبيلة الموصي‏.‏ وقد روى عن ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري، والزهري، رحمهما الله‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ‏}‏ أي‏:‏ سافرتم، ‏{‏فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ‏}‏ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين، أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية، كما صرح بذلك شريح القاضي‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية ووَكِيع قالا حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال‏:‏ لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في وصية‏.‏

ثم رواه عن أبي كُرَيْب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السَّبِيعي قال‏:‏ قال شريح، فذكر مثله‏.‏

وقد روي مثله عن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى‏.‏ وهذه المسألة من إفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا‏:‏ لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين‏.‏ وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال‏:‏ مضت السنّة أنه لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين‏.‏وقال ابن زيد‏:‏ نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسخت الوصية وفرضت الفرائض، وعمل الناس بها‏.‏ رواه ابن جرير، وفي هذا نظر، والله أعلم‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ اختلف في قوله‏:‏ ‏{‏شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏}‏ هل المراد به أن يوصي إليهما، أو يشهدهما‏؟‏ على قولين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يوصي إليهما، كما قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط قال‏:‏ سئل ابن مسعود، رضي الله عنه، عن هذه الآية قال هذا رجل سافر ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين‏.‏ رواه ابن أبي حاتم وفيه انقطاع‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أنهما يكونان شاهدين‏.‏ وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصي ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان‏:‏ الوصاية والشهادة، كما في قصة تَمِيم الداري، وعَدِيّ بن بَدَّاء، كما سيأتي ذكرها آنفًا، إن شاء الله وبه التوفيق‏.‏

وقد استشكل ابنُ جرير كونهما شاهدين، قال‏:‏ لأنا لا نعلم حُكْمًا يَحْلِفُ فيه الشاهد‏.‏ وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مستقل بنفسه، لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرائن الريبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ‏}‏ قال ‏[‏العوفي، عن‏]‏ ابن عباس‏:‏ يعني صلاة العصر‏.‏ وكذا قال سعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعِي، وقتادة، وعِكْرِمة، ومحمد بن سيرين‏.‏ وقال الزهري‏:‏ يعني صلاة المسلمين، وقال السدي، عن ابن عباس‏:‏ يعني صلاة أهل دينهما‏.‏

والمقصود‏:‏ أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم، ‏{‏فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ فيحلفان بالله ‏{‏إِنِ ارْتَبْتُمْ‏}‏ أي‏:‏ إن ظهرت لكم منهما ريبة، أنهما قد خانا أو غلا فيحلفان حينئذ بالله ‏{‏لا نَشْتَرِي بِهِ‏}‏ أي‏:‏ بأيماننا‏.‏ قاله مُقاتِل بن حيان ‏{‏ثَمَنًا‏}‏ أي‏:‏ لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة، ‏{‏وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى‏}‏ أي‏:‏ ولو كان المشهود عليه قريبًا إلينا لا نحابيه، ‏{‏وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ‏}‏ أضافها إلى الله تشريفًا لها، وتعظيمًا لأمرها‏.‏

وقرأ بعضهم‏:‏ ‏"‏ولا نكتم شهادة آلله‏"‏ مجرورًا على القسم‏.‏ رواها ابن جرير، عن عامر الشعبي‏.‏وحَكَي عن بعضهم أنه قرأ‏:‏ ‏"‏ولا نَكْتُمُ شهادةً الله‏"‏، والقراءة الأولى هي المشهورة‏.‏

‏{‏إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ إن فعلنا شيئًا من ذلك، من تحريف الشهادة، أو تبديلها، أو تغييرها أو كتمها بالكلية‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا‏}‏ أي‏:‏ فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين، أنهما خانا أو غَلا شيئًا من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك ‏{‏فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ‏}‏ هذه قراءة الجمهور‏:‏ ‏"‏اسْتُحِقَّ عليهم الأوليان‏"‏‏.‏ ورُوي عن علي، وأُبيّ، والحسن البصري أنهم قرؤوها‏:‏ ‏{‏اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ‏}‏‏.‏

وقد روى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفَرْوِي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ‏:‏ ‏{‏مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ‏}‏ ثم قال‏:‏ صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه‏.‏

وقرأ بعضهم، ومنهم ابن عباس‏:‏ ‏"‏من الذين استحق عليهم الأوَّلِين‏"‏‏.‏ وقرأ الحسن‏:‏ ‏"‏من الذين استحق عليهم الأوَّلان‏"‏، حكاه ابنُ جرير‏.‏

فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك‏:‏ أي متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أوْلى من يرث ذلك المال ‏{‏فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا‏}‏ أي‏:‏ لقولنا‏:‏ إنهما خانا أحقُّ وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ‏{‏وَمَا اعْتَدَيْنَا‏}‏ أي‏:‏ فيما قلنا من الخيانة ‏{‏إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ إن كنا قد كذبنا عليهما‏.‏

وهذا التحليف للورثة، والرجوع إلى قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لَوْث في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم، كما هو مقرر في باب ‏"‏القسامة‏"‏ من الأحكام‏.‏

وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان -يعني‏:‏ أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب- عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ‏}‏ قال‏:‏ بَرئ الناس منها غيري وغير عَديّ بن بَدَّاء‏.‏ وكانا نصرانيين، يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم، يقال له‏:‏ بُدَيْل بن أبي مريم، بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عُظْم تجارته‏.‏ فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله -قال تميم‏:‏ فلما مات أخذنا ذلك الجام، فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بدّاء‏.‏ فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا‏.‏ وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا‏:‏ ما ترك غير هذا، وما د فع إلينا غيره- قال تميم‏:‏ فلما أسلمت بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا‏}‏ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا، فنزعتْ الخمسمائة من عَدي بن بَدَّاء‏.‏

وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحَرَّاني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، به فذكره -وعنده‏:‏ فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يُعَظَّم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ‏}‏ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا‏.‏ فَنزعَتْ الخمسمائة من عدي بن بَدَّاء‏.‏

ثم قال‏:‏ هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول‏:‏ محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، ثم قال‏:‏ ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ، وقد رُوي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه‏.‏

حدثنا سفيان بن وَكِيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جُبَير، عن أبيه، عن ابن عباس قال‏:‏ خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعديّ بن بَدّاء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مُخَوّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدوا الجام بمكة، فقيل‏:‏ اشتريناه من تميم وعديّ‏.‏ فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لِصَاحبهم‏.‏ وفيهم نزلت‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ‏}‏ وكذا رواه أبو داود، عن الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم، به‏.‏ ثم قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة‏.‏

ومحمد بن أبي القاسم، كوفي، قيل‏:‏ إنه صالح الحديث، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غيرُ واحد من التابعين منهم‏:‏ عكرمة، ومحمد بن سيرين، وقتادة‏.‏ وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر،رواه ابن جرير‏.‏ وكذا ذكرها مرسلة‏:‏ مجاهد، والحسن، والضحاك‏.‏ وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها‏.‏ ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا ما رواه أبو جعفر بن جرير‏:‏

حدثني يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا زكريا، عن الشعبي؛ أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقا، قال‏:‏ فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب‏.‏ قال‏:‏ فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري -يعني‏:‏ أبا موسى الأشعري، رضي الله عنه- فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري‏:‏ هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فأحلفهما بعد العصر‏:‏ بالله ما خانا ولا كذبا ولا بَدّلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته‏.‏ قال‏:‏ فأمضى شهادتهما‏.‏ ثم رواه عن عمرو بن علي الفَلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي؛ أن أبا موسى قضى بدقوقا‏.‏ وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي، عن أبي موسى الأشعري‏.‏

فقوله‏:‏ ‏"‏هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏ الظاهر -والله أعلم- أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعديّ بن بَدّاء، قد ذكروا أن إسلام تَمِيم بن أوْسٍ الداري، رضي الله عنه، كان في سنة تسع من الهجرة فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا، يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم‏.‏

وقال أسباط عن السُّدِّي‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ‏}‏ قال‏:‏ هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه، قال‏:‏ هذا في الحضر، ‏{‏أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏}‏ في السفر، ‏{‏إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ‏}‏ هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا ‏[‏مال صاحبهم‏]‏ تركوا الرجلين وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان‏.‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ‏}‏ قال عبد الله بن عباس‏:‏ كأني أنظر إلى العلْجين حين انتُهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخَوّنوهما فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له‏:‏ إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فَيُوقَفُ الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان‏:‏ بالله لا نشتري به ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين‏:‏ أن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته‏.‏ فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا‏:‏ إنكما إن كتمتما أو خُنْتُما فَضَحْتُكُما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما‏.‏ فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها‏.‏ رواه ابن جرير‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا الحسين، حدثنا هُشيْم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير، أنهما قالا في هذه الآية‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ‏}‏ الآية، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب فإذا قدما بتركته، فإن صدقهما الورثة قُبل قولهما، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر‏:‏ بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خُنَّا ولا غَيَّرنا‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في تفسير هذه الآية‏:‏ فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله‏:‏ ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلا‏.‏ فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله‏:‏ أن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا‏}‏ يقول‏:‏ إن اطلع على أن الكافرين كذبا ‏{‏فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا‏}‏ يقول‏:‏ من الأولياء، فحلفا بالله‏:‏ أن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرَيْن، وتجوز شهادة الأولياء‏.‏ وهكذا روى العَوْفي، عن ابن عباس‏.‏ رواهما ابن جرير‏.‏

وهكذا قَرَّر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غيرُ واحد من أئمة التابعين والسلف، رضي الله عنهم، وهو مذهب الإمام أحمد، رحمه الله‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا‏}‏ أي‏:‏ شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين وقد استريب بهما، أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ يكون الحامل لهم على الإتيان بالشهادة على وجهها، هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ‏}‏ثم قال‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُوا اللَّهَ‏}‏ أي‏:‏ في جميع أموركم ‏{‏وَاسْمَعُوا‏}‏ أي‏:‏ وأطيعوا ‏{‏وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ‏}‏ يعني‏:‏ الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏109‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ‏}‏

وهذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة، عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 6‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏92، 93‏]‏‏.‏

وقول الرسل‏:‏ ‏{‏لا عِلْمَ لَنَا‏}‏ قال مجاهد، والحسن البصري، والسُّدِّي‏:‏ إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم‏.‏

قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ‏}‏ فيفزعون فيقولون‏:‏ ‏{‏لا عِلْمَ لَنَا‏}‏ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن حُمَيْد، حدثنا حَكَّام، حدثنا عَنْبَسَة قال‏:‏ سمعت شيخًا يقول‏:‏ سمعت الحسن يقول في قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ‏}‏ الآية، قال‏:‏ من هول ذلك اليوم‏.‏

وقال أسباط، عن السُّدِّي‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا‏}‏ ذلك‏:‏ أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا‏:‏ ‏{‏لا عِلْمَ لَنَا‏}‏ ثم نزلوا منزلا آخر، فشهدوا على قومهم‏.‏ رواه ابن جرير‏.‏

ثم قال ابن جرير‏:‏ حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الحجاج، عن ابن جُرَيْج قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ‏}‏ ماذا عملوا بعدكم‏؟‏ وماذا أحدثوا بعدكم‏؟‏ قالوا‏:‏ ‏{‏لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ‏}‏ وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ‏}‏ يقولون للرب، عز وجل‏:‏ لا علم لنا، إلا علم أنت أعلم به منا‏.‏ رواه ابن جرير‏.‏ ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب مع الرب، عز وجل، أي‏:‏ لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن كنا قد أجبنا وعرفنا من أجابنا، ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره، لا علم لنا بباطنه، وأنت العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء‏.‏ فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا عِلْم، فإنك ‏{‏أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏110 - 111‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ‏}‏

يذكر تعالى ما امتن به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام مما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ‏}‏ أي‏:‏ في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء ‏{‏وَعَلى وَالِدَتِكَ‏}‏ حيث جَعلتُكَ لها برهانًا على براءتها مما نسبه الظالمون الجاهلون إليها من الفاحشة، ‏{‏إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏ وهو جبريل، عليه السلام، وجعلتك نبيًا داعيًا إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرًا، فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا‏}‏ أي‏:‏ تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك‏.‏ وضمن ‏"‏تكلم‏"‏ تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏}‏ أي‏:‏ الخط والفهم ‏{‏وَالتَّوْرَاةَ‏}‏ وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يَرِدُ لفظ التوراة في الحديث ويُرَاد به ما هو أعم من ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي‏}‏ أي‏:‏ تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك فيكون طائرًا بإذني، أي‏:‏ فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون طيراً ذا روح بإذن الله وخلقه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي‏}‏ قد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي‏}‏ أي‏:‏ تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته، وإرادته ومشيئته‏.‏

وقد قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا محمد بن طلحة -يعني ابن مُصَرِّف- عن أبي بِشْر، عن أبي الهذيل قال‏:‏ كان عيسى ابن مريم، عليه السلام، إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين، يقرأ في الأولى‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ‏}‏ ‏[‏سورة الملك‏]‏، وفي الثانية‏:‏ ‏{‏الم‏.‏ تَنزيلُ الْكِتَابِ‏}‏‏[‏سورة السجدة‏]‏‏.‏ فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه، ثم دعا بسبعة أسماء‏:‏ يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد -وكان إذا أصابته شدة دعا بسبعة أخر‏:‏ يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض، وما بينهما ورب العرش العظيم، يا رب‏.‏ وهذا أثر عجيب جدًا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ‏}‏ أي‏:‏ واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم، فكذبوك واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إليَّ، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم‏.‏ وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان واقعًا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة‏.‏ وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي‏}‏ وهذا أيضًا من الامتنان عليه، عليه السلام، بأن جعل له أصحابًا وأنصارًا‏.‏ ثم قيل‏:‏ المراد بهذا الوحي وحي إلهام، كما قال‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ‏}‏ الآية ‏[‏القصص‏:‏7‏]‏، وهذا وحي إلهام بلا خوف، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ‏.‏ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا‏}‏ الآية ‏[‏النحل‏:‏68، 69‏]‏‏.‏ وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ بالله وبرسول الله‏]‏ ‏{‏وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا‏.‏

قال الحسن البصري‏:‏ ألهمهم الله‏.‏ عز وجل ذلك، وقال السُّدِّي‏:‏ قذف في قلوبهم ذلك‏.‏

ويحتمل أن يكون المراد‏:‏ وإذ أوحيت إليهم بواسطتك، فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا‏:‏ ‏{‏آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏112 - 115‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ‏}‏

هذه قصة المائدة، وإليها تنسب السورة فيقال‏:‏ ‏"‏سورة المائدة‏"‏‏.‏ وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى، عليه السلام، لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة‏.‏

وقد ذكر بعض الأئمة أن قصة المائدة ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم‏.‏

فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ‏}‏ وهم أتباع عيسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ‏}‏ هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون‏:‏ ‏"‏هل تَسْتَطيع رَبَّك‏"‏ أي‏:‏ هل تستطيع أن تسأل ربك ‏{‏أَنْ يُنزلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ‏}‏‏.‏

والمائدة هي‏:‏ الخوان عليه طعام‏.‏ وذكر بعضهم أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم فسألوا أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها، ويتقوون بها على العبادة‏.‏

قال‏:‏ ‏{‏اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ فأجابهم المسيح، عليه السلام، قائلا لهم‏:‏ اتقوا الله، ولا تسألوا هذا، فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين‏.‏

‏{‏قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا‏}‏ أي‏:‏ نحن محتاجون إلى الأكل منها ‏{‏وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا‏}‏ إذا شاهدنا نزولها رزقًا لنا من السماء ‏{‏وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا‏}‏ أي‏:‏ ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك، ‏{‏وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ‏}‏ أي‏:‏ ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به‏.‏

‏{‏قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا‏}‏ قال السُّدِّي‏:‏ أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظمه نحن وَمَنْ بعدنا، وقال سفيان الثوري‏:‏ يعني يومًا نصلي فيه، وقال قتادة‏:‏ أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم، وعن سلمان الفارسي‏:‏ عظة لنا ولمن بعدنا‏.‏ وقيل‏:‏ كافية لأولنا وآخرنا‏.‏

‏{‏وَآيَةً مِنْكَ‏}‏ أي‏:‏ دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك دعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك ‏{‏وَارْزُقْنَا‏}‏ أي‏:‏ من عندك رزقًا هنيئًا بلا كلفة ولا تعب ‏{‏وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ‏.‏ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها ‏{‏فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ‏}‏ أي‏:‏ من عالمي زمانكم، كقوله‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏46‏]‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏145‏]‏‏.‏ وقد روى ابن جرير، من طريق عَوْف الأعرابي، عن أبي المغيرة القوَّاس، عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة‏:‏ المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون‏.‏

ذكر أخبار رُوِيَت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين‏:‏

قال أبو جعفر بن جرير حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن لَيْث، عن عقيل، عن ابن عباس‏:‏ أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل‏:‏ هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم‏؟‏ فإن أجر العامل على من عمل له‏.‏ ففعلوا، ثم قالوا‏:‏ يا معلم الخير، قلت لنا‏:‏ إن أجر العامل على من عمل له وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يومًا، ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يومًا إلا أطعمنا حين نَفْرُغ طعامًا، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء‏؟‏ قال عيسى‏:‏ ‏{‏اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏.‏ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ‏.‏ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ‏.‏ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ‏}‏ قال‏:‏ فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم‏.‏

كذا رواه ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وَهْبٍ، عن الليث، عن عُقَيْل، عن ابن شِهاب، قال‏:‏ كان ابن عباس يحدث، فذكر نحوه‏.‏

وقال ابن أبي حاتم أيضًا‏:‏ حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زُرْعَة وهب الله بن راشد، حدثنا عُقَيْل بن خالد، أن ابن شهاب أخبره عن ابن عباس؛ أن عيسى ابن مريم قالوا له‏:‏ ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال‏:‏ فنزلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن قَزْعَة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن خِلاس، عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏نزلت المائدة من السماء، عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير‏"‏

وكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن قَزْعَة ثم رواه ابن جرير، عن ابن بشار، عن ابن أبي عَدِيّ، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار، قال‏:‏ نزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة، فأمروا ألا يخونوا ولا يخبئوا ولا يدخروا‏.‏ قال‏:‏ فخان القوم وخَبئوا وادخروا، فمسخهم الله قردة وخنازير‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن سِمَاك بن حرب، عن رجل من بني عجل، قال‏:‏ صليت إلى جنب عمار بن ياسر، فلما فرغ قال‏:‏ هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ لا قال‏:‏ إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال‏:‏ فقيل لهم‏:‏ فإنها مقيمة لكم ما لم تَخْبَؤوا، أو تخونوا، أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني معذبكم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، قال‏:‏ فما مضى يومهم حتى خبَّؤوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذابًا لم يعذبه أحد من العالمين‏.‏ وإنكم -معشر العرب- كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم، تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم، ونهاكم أن تكتنزوا الذهب والفضة‏.‏ وأيم الله، لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما ويعذبكم الله عذابًا أليمًا‏.‏

وقال‏:‏ حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني حجاج، عن أبي مَعْشَر، عن إسحاق بن عبد الله، أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاؤوا‏.‏ قال‏:‏ فسرق بعضهم منها وقال‏:‏ ‏"‏لعلها لا تنزل غدًا‏"‏‏.‏ فرفعت‏.‏

وقال العَوْفِي، عن ابن عباس‏:‏ نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين، خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا‏.‏ وقال خَصِيف، عن عكرمة ومِقْسَم، عن ابن عباس‏:‏ كانت المائدة سمكة وأرغفة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا‏.‏ وقال أبو عبد الرحمن السلمي‏:‏ نزلت المائدة خبزًا وسمكًا‏.‏ وقال عطية العَوْفِي‏:‏ المائدة سمك فيه طَعْمُ كل شيء‏.‏

وقال وَهْب بن مُنَبِّه‏:‏ أنزلها من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكان يَقْعُدُ عليها أربعة آلاف، فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك لمثلهم‏.‏ فلبثوا على ذلك ما شاء الله عز وجل‏.‏

وقال وهب بن مُنَبِّه‏:‏ نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم وأفضلوا‏.‏

وقال الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير‏:‏ أنزل عليها كل شيء إلا اللحم‏.‏

وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن زاذان ومَيْسَرَة، وجرير، عن عطاء، عن ميسرةقال‏:‏ كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي بكل طعام إلا اللحم‏.‏

وعن عكرمة‏:‏ كان خبز المائدة من الأرز‏.‏ رواه ابن أبي حاتم‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ أخبرنا جعفر بن علي فيما كتب إليّ، حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيْس، حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن عبيد الله بن مِرْدَاس العبدري -مولى بني عبد الدار- عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النَّهْدِي، عن سلمان الخير؛ أنه قال‏:‏ لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدا وقال‏:‏ اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بَوَارهم فيها‏.‏ فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك قالوا‏:‏ ‏{‏نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا‏}‏ الآية‏.‏

فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل، ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائمًا مستقبل القبلة وصف قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعًا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال‏:‏ ‏{‏اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ‏}‏ فأنزل الله عليهم سُفْرَة حمراء بين غمامتين‏:‏ غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشروط التي أتخذها الله عليهم -فيها‏:‏ أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين -وهو يدعو الله من مكانه ويقول‏:‏ اللهم اجعلها رحمة،إلهي لا تجعلها عذابًا، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شَكَّارين، إلهي أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبًا وجزاء، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة‏.‏

فما زال يدعو حتى استقرت السُّفْرة بين يدي عيسى، والحواريين وأصحابه حوله، يَجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخَرَّ عيسى والحواريون لله سجدًا شكرًا بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمرًا عجيبًا أورثهم كمدًا وغمًا، ثم انصرفوا بغيظ شديد وأقبل عيسى‏.‏ والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى‏.‏ قال عيسى‏:‏ من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه‏؟‏ فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا‏.‏ فقال الحواريون‏:‏ يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنابالكشف عنها‏.‏ فقام عيسى، عليه السلام، واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء طويلا ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقًا‏.‏ ثم انصرف فجلس إلى السفرة وتناول المنديل، وقال‏:‏ ‏"‏باسم الله خير الرازقين‏"‏، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلا قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر ثمرات، وعلى الآخر خمس رمانات‏.‏

فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى‏:‏ يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة‏؟‏ فقال‏:‏ أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل‏؟‏ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية‏!‏ فقال شمعون‏:‏ وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالا يا ابن الصِّدِّيقة‏.‏ فقال عيسى، عليه السلام‏:‏ ليس شيء مما ترون من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة العالية القاهرة، فقال له‏:‏ كن‏.‏ فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله واحمدوا عليه ربكم يُمدكم منه ويَزدكم، فإنه بديع قادر شاكر‏.‏

فقالوا‏:‏ يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن تُرينا آية في هذه الآية‏.‏ فقال عيسى‏:‏ سبحان الله‏!‏ أما اكتفيتم بما رأيتم في هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى‏؟‏ ثم أقبل عيسى، عليه السلام، على السمكة، فقال‏:‏ يا سمكة، عودي بإذن الله حية كما كنت‏.‏ فأحياها الله بقدرته، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية، تَلَمَّظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها‏.‏ ففزع القوم منها وانحازوا‏.‏ فلما رأى عيسى ذلك منهم قال‏:‏ ما لكم تسألون الآية، فإذا أراكموها ربكم كرهتموها‏؟‏ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون‏!‏ يا سمكة، عودي بإذن الله كما كنت‏.‏ فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول‏.‏

فقالوا لعيسى‏:‏ كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها، ثم نحن بعد فقال عيسى‏:‏ معاذ الله من ذلك‏!‏ يبدأ بالأكل من طلبها‏.‏ فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها، خافوا أن يكون نزولها سَخْطة وفي أكلها مَثُلةً، فتحاموها‏.‏ فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزَّمْنى، وقال‏:‏ كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، فيكون مَهْنَؤُها لكم، وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله، واختموه بحمد الله، ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ أنزلت من السماء، لم ينتقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون،فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زَمِنٍ أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صِحَاحًا حتى خرجوا من الدنيا‏.‏

وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة، سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات، قال‏:‏ فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضًا‏:‏ الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والأصحاء والمرضى، يركب بعضهم بعضًا‏.‏ فلما رأى ذلك جعلها نوائب، تنزل يومًا ولا تنزل يومًا‏.‏ فلبثوا في ذلك أربعين يومًا، تنزل عليهم غِبًّا عند ارتفاع الضُحَى فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قاموا ارتفعت عنهم‏.‏ بإذن الله إلى جو السماء، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم‏.‏

قال‏:‏ فأوحى الله إلى نبيه عيسى، عليه السلام، أن اجعل رزقي المائدة لليتامى والفقراء والزَّمنَى دون الأغنياء من الناس، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء من الناس، وغَمطُوا ذلك، حتى شَكُّوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وسواسه في قلوب المرتابين حتى قالوا لعيسى‏:‏ أخبرنا عن المائدة، ونزولها من السماء أحق، فإنه قد ارتاب بها بشر منا كثير‏؟‏ فقال عيسى، عليه السلام‏:‏ هلكتم وإله المسيح‏!‏ طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقًا، وأراكم فيها الآيات والعبَر كذَّبْتم بها، وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب، فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله‏.‏

وأوحى الله إلى عيسى‏:‏ إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين‏.‏ قال فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات‏.‏

هذا أثر غريب جدًا‏.‏ قَطَّعَه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا له ليكون سياقه أتم وأكمل، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل، أيام عيسى ابن مريم، إجابة من الله لدعوته، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم‏:‏ ‏{‏قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ‏}‏ الآية‏.‏وقد قال قائلون‏:‏ إنها لم تنزل‏.‏ فروى لَيْث بن أبي سليم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ‏}‏ قال‏:‏ هو مثل ضُرب، ولم ينزل شيء‏.‏

رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير‏.‏ ثم قال ابن جرير‏:‏ حدثني الحارث، حدثنا القاسم -هو ابن سلام- حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن مجاهد قال‏:‏ مائدة عليها طعام، أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تَنزل عليهم‏.‏

وقال أيضًا‏:‏ حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن؛ أنه قال في المائدة‏:‏ لم تنزل‏.‏

وحدثنا بِشْر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال‏:‏ كان الحسن يقول‏:‏ لما قيل لهم‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ‏}‏ قالوا‏:‏ لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل‏.‏

وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم‏.‏ ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، قال‏:‏ لأنه تعالى أخبر بنزولها بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ‏}‏ قال‏:‏ ووعد الله ووعيده حق وصدق‏.‏

وهذا القول هو -والله أعلم- الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم‏.‏ وقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب، وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، باني جامع دمشق، فمات وهي في الطريق، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده، فرآها الناس وتعجبوا منها كثيرًا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة‏.‏ ويقال إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود، عليهما السلام، فالله أعلم‏.‏

وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كُهَيْل، عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس قال‏:‏ قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك قال‏:‏ ‏"‏وتفعلون‏؟‏‏"‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فدعا، فأتاه جبريل فقال‏:‏ إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك‏:‏ إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏بل باب التوبة والرحمة‏"‏‏.‏ ثم رواه أحمد، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، من حديث سفيان الثوري، به‏.‏